مركز الثقافة والمعارف القرآنية
556
علوم القرآن عند المفسرين
توحيد الله وتصديق رسالته ، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ويدعوهم صباح مساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا بسورة واحدة أو بآيات يسيرة ، فكلما ازداد تحديا لهم بها وتقريعا لعجزهم عنها تكشف عن نقصهم ما كان مستورا ، وظهر منه ما كان خفيا ، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له : أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف فلذلك يمكنك ما لا يمكننا ، قال : فهاتوها مفتريات ، فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر ولا طمع فيه أحد يتكلفه ، ولو تكلفه لظهر ذلك ، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامى عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض ، فدل ذلك على عجز القوم مع كثرة كلامهم وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراءه وأصحابه وخطباء أمته ، والعرب لهم القصيد العجيب والرجز الفاخر والخطب الطوال البليغة والقصار والموجزة ، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور ، ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم ، وهم أشد الخلق أنفة وأكثرهم مفاخرة والكلام سيد عملهم وقد احتاجوا إليه والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض ، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة ؟ وبعد فأي أثر أدبى أعجبك : « كقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل » لامرئ القيس ، وكمرثية ابن الرومي لولده : بكاؤكما يشفى وإن كان لا يجدى * فجودا فقد أودى نظير كما عندي وكوصف البحتري لإيوان كسرى : صنت نفسي عما يدنس نفسي * وترفعت عن جدا كل جبس « 1 » كمرثية المعرى للفقيه الحنفي : غير مجد في ملتى واعتقادي * نوح باك ولا ترنم شاد وكقصيدة ابن زيدون : أضحى التنائى بديلا من تدانينا * وناب عن طيب لقيانا تجافينا وكقصيدة المتنبي في سيف الدولة : أتوك يجرون الحديد كأنما * سروا بجياد ما لهن قوائم
--> ( 1 ) الجدا : العطاء . الجبس : الجبان اللئيم .